عبد الملك الجويني

129

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإنما غرضنا بإثبات مرتبة البغاة تنفيذ الأحكام والأقضية ، على ما سيأتي في أثناء الفصل ، وإنما ينفذ ذلك منهم إذا عظم العدد ، واستولَوْا على قُطر ( 1 ) كبير من الخِطة يحوي أمماً ، فلو تعطلت أحكامهم ، لعظم الضرر ، وتفاقم الخطر على من لا يتصف بالبغي من الرعايا الواقعين في قبضة المستَوْلين . والأولى عندنا أن نفصّل القولَ في ذلك : [ ونقول ] ( 2 ) : إن تحصنوا بحصن على فوهة الطرق ، وهم [ يحوون ما وراءهم من القطر المتسع ] ( 3 ) ، فالحصن نجدةٌ عظيمة نازلة منزلة العدد والقوة والعدة ، والنظر إلى إثبات الضرار في جمع من المسلمين ، وإذا وقع ما تحصنوا به ببلدة من البلاد ، وكانوا لا يستولون على خِطة بسبب الحصن [ فلا ] ( 4 ) يثبت لهم حكم البغاة ، وسنذكر أحكام أمثالهم ( 5 ) إن شاء الله تعالى ، ولا خلاف أنه لو [ تحزّب ] ( 6 ) من رجال القتال المرموقين ( 7 ) عدد يسير ، وكانوا [ يقوون ] ( 8 ) بفضل القوة على مصادمة الجموع الكثيرة ، فهم على عدة تامة . هذا قولنا في التأويل والشوكة . 10994 - فأما اشتراط نصبهم إماماً فهذا فيه اضطراب عظيم لأرباب الأصول ، وقد حكيت اختلاف الفقهاء فيه ، ولا مطمع في إنهائه إلى الحدود التي ينتهي الكلام إليها في هذا الكتاب ، ولكنا نذكر مقداراً يقع الاستقلال به : فأما من شرط أن ينصبوا إماماً ، فمعتمده في ذلك أن الإمام إذا لم يكن ، فتولية الولاة والقضاة لا مصدر لها ؛

--> ( 1 ) قُطر : أي ناحية وجانب . ( 2 ) في النسختين : " ويقال " . ( 3 ) في الأصل : " يجدون ما وراءهم من القطر المنيع " والمثبت من ( ث 4 ) . ( 4 ) في النسختين : " ولا " . ( 5 ) ت 4 : " البغاة " . ( 6 ) في الأصل : " عرف " ، ( ت 4 ) : " حدث " ، والمثبت من الشرح الكبير ناقلاً إياه عن الإمام . هذا وقد كانت نسخة الأصل : ( تحدب ) فصوّبت في الهامش إلى ( عرف ) . ( 7 ) نقلها الرافعي : المنعوتين بالشجاعة . ( 8 ) في الأصل : " يقعون " .